Tuesday, October 4, 2011

عن الذى (لم) يقتل

أنتم يا من ستظهرون
بعد الطوفان الذى غرقنا فيه
فكروا عندما تتحدثون عن جوانب ضعفنا
فى الزمن الأسود
الذى نجوتم منه
لقد كنا نخوض حروب الطبقات
ونهيم بين البلاد
ونحن نغير بلدا ببلد
أكثر مما نغير حذاء بحذاء
يكاد اليأس يقتلنا
حين نرى الظلم أمامنا
ولا نرى أحدا يثور عليه

هكذا أراد بريخت – فى قصيدته العظيمة – للأجيال القادمة من بعده أن تتذكره ، وربما هكذا – أيضا – أراد Ransom Stoddard لسكان بلدته – حالا واستقبالا – أن يتذكروه ، غير أن الرياح لا تأتى – دائما – بما تشتهى السفن ، إذ لم يعرفه أحد – رغم كل نجاحاته السياسية – كقانونىّ ، بل ظل – فى عيونهم – الرجلَ الذى أطلق النار على Liberty Valance .

هل للحق قوة فى ذاته تدفعه وتصل به – بنفسها – إلى الهدف المنشود ، أم هو بحاجة إلى ما يعضده – من خارجه – ، وإلا دهمته عجلات القوة الغاشمة التى تكتفى بذاتها دون أن تكترث مطلقا لقيم الحق والخير والعدالة ؟



يعود السيناتور الأمريكى – بصحبة زوجته Hallie – إلى بلدته القديمة Shinbone بعد أن وخط البياض رأسه لحضور جنازة واحد من الآحاد . تبدو ملامح علاقات قديمة بين الوافدَين وبعض أهل البلدة ، ما أن يبدأ Ransom فى رواية الأحداث التى جمعتـه وزوجتـه والمتـوفـى لتـوه وباقى الشخـوص – التى ألفها – منذ بضعة عقود ، حتى تبدأ الأمور فى التكشف ، وتتخذ الحقيقة سمتا مغايرا .


فـلاش بـاك

كان ياما كان أن جاء Ransom إلى تلك البلدة المنسية فى غرب الولايات المتحدة حيث لا يجرؤ أحد على التصدى لـ Liberty Valance رجـل العصـابـات ، حتى لو كان هذا الأحد مارشال البلدة نفسه والمخول بإنفاذ القانون . وحده Tom Doniphon من بين السكان مّن كان قادرا على كبح صاحبنا – المجرم – وتحديه فى بعض الأحيان . كان ياما كان أن جاء Ransom ، وظن أن للقانون (والحق) قدرة .

وجهتا نظر متمايزتان بين Doniphon الذى يرى – من ناحية – أن الغرب الأمريكى لا يعترف إلا بالقوة فى مواجهة القوة ، و Ransom الذى يرى – من الناحية الأخرى – أن رد القوة بالقوة من شأنه أن يساوى بين الجميع – المجرم وصاحب الحق – ، وأن يزيد السعار الشبِق إلى الدم . القانون – طبقا له – هو الحل . لكن اختلاف السبل لم يمنع الإعجاب أن يتواصل بين القانونىّ وراعى البقر .



من المفترض بـ Hallie (فتاة المطعم آنئذ) أن تكون الزوجة المستقبلية لـ Doniphon ، لكن ظهور Ransom يغير من وجهة الأمور ، فتبدأ صاحبتنا فى الميل إلى الأخير الذى يأخذ على عاتقه تعليمها (وبعض أهالى البلدة) القراءة والكتابة .. كمكون أساس من مكونات تشكيل الوعى .

تتدافع الأمور وتتراكم إلى الحد الذى يقبل معه Ransom بمواجهة Liberty Valance .. هكذا رغم عدم جاهزية الأول لنزال كهذا ، ولدهشته – ودهشة كل أحد – الشديدة ينتهى النزال بموت Liberty Valance برصاصة يطلقها Ransom من مسدسه الذى يمسكه بيسرى يديه .

سؤال : ما الذى يعنيه قبول Ransom – المؤمن بالقانون – لنزال على طريقة رعاة البقر فى الغرب الأمريكى ؟



عند هذا الحد تبدأ الأسطورة (الزائفة من عدة أوجه) فى التشكل ، فيصير البطلَ الذى أطلق النار على Liberty Valance ، وينتخبونه – بالإجماع – ممثلا للبلدة .

يتأكد Doniphon من حب Hallie لـ Ransom فيكتفى بالشراب وحرق البيت الذى كان مقررا له أن يستضيفها زوجة وملكة على القلب . كان Doniphon – فيما أزعم – يعى ما سبق لـ Rick أن وعاه فى Casablanca . يقول Rick مخاطبا Ilsa :

Inside of us, we both know you belong with Victor. You're part of his work, the thing that keeps him going.

أقول إن الأسطورة زائفة من عدة أوجه ، وأحدها ما نعرفه حين يخبر Doniphon غريمَه – فى الحب – بحقيقة ما جرى يوم النزال . لم يكن Ransom هو من أطلق النار على Valance ، بل Doniphon المختبىء عبر الشارع !

يعود الفيلم من الفلاش باك – الذى احتل أغلبه – إلى الوقت الراهن . يقول أحد الصحفيين المستمعين إلى القصة بعد أن عرف الحقيقة حول مقتل Valance :

This is the West, sir. When the legend becomes fact, print the legend.

لتظل نجاحات السيناتور قائمة – بالأساس ، وخلافا لما خطط لنفسه – على أكذوبة . ثم ينتهى الفيلم بقراره ترك ساحة السياسة ، والعودة إلى بلدته القديمة التى أصابها التغير (والتقدم) ، والعمل بالمحاماة . يشكـر رجـلَ القطـار الذى يعـود – على متنـه – إلى العـاصمـة ، فيـرد الـرجـل :

Nothing's too good for the man who shot Liberty Valance!



تلاحظ أن أحدا من أهل البلدة لا يصب جام غضبه إلا على رأس المارشال المعروف بجبنه وضعفه ، لكن أحدا منهم لا يوبخ Doniphon الأكثر قدرة ، كما أنك تتساءل – على مدار الفيلم – عن سبب تقاعس الأخير عن التصدى لـ Valance مرة وإلى الأبد ، لتجد أن الإجابة الأكثر اقترابا من المنطق أن سير الأحداث بهذه الطريقة كان مما يعجل بنهاية العمل ، ربما فى أقل من نصف الساعة ، كما أن ذلك كان ليبتعد بالفيلم عن الخط الذى أراده صانعوه .

سؤال آخر يتعلق بقبول Ransom لمنازلة Valance بالأسلحة ! هل للأمر علاقة بإدراكه أن القانون – فى ذاته – غير كاف ، وأنه لابد من توافر سلاح/قوة تدعم القانون ؟ لكن العمل نفسه يفند هذا الطرح : فـ Ransom لم يكن جاهزا لمواجهة Valance ، ونحن نعرف أنه لولا رصاصة Doniphon – التى أطلقها عبر الشارع – لاتخذت الأمور مسارا مغايرا ، كما أن Ransom لم يكن سعيدا – لم يكن سعيدا قط – بقتله Valance (قبل أن يعرف – حقيقةً – من قتله) ، رغم علمه أى نوع من الأشرار كان هذا الأخير . ولعل فى حجم المرارة التى تتبدى فى آخر مشهد من مشاهد الفيلم ما يغنى عن أى بيان ، فقد ظل Ransom معذبا بسمعته (الطيبة) وبطولته اللتين قامتا – بالأساس – على واقعة القتل (لا القانون) ، وهو ما يتضح فى مقولة عامل القطار : الرجل الذى قتل Liberty Valance يستحق أكثر من ذلك ، لتصبح (الرجل الذى قتل Liberty Valance) أكثرَ ملازمةً له حتى من اسمه . ثم نقول : أم كان قبوله النزالَ نوعا من صرخة الاحتجاج على نمط صرخة رئيس تحرير الصحيفة المحلية الذى اغتبط كثيرا حين جرؤ على قول الحقيقة فى وجه Valance الشرير رغم علمه بعاقبة ذلك ؟


سؤال التاريخ

سؤال ثالث عن الحقيقة التى تضيع ، فرغم إقرارنا بعظمة Ransom كرجل ذى مبدأ ، إلا أن عظمته – فى عيون أهل البلدة – لم تقم على ذلك ، بل على شىء لم يرتكبه قط ، بينما يموت Doniphon (العظيم أيضا) دون أن يعرف أحد حقيقة ما فعل ، ودون أن يبالى به أحد عند موته ، فهو – عندهم – ليس سوى واحد (مغمور) من الآحاد . وهو ما يقودنا – من خلال تعليق الصحفى آنف الذكر – إلى سؤال خلقى عن الصحافة ودورها : تقديم الحقيقة كما هى ، أم تقديم الحقيقة كما يريدها القراء ! وبعبارة أخرى : أيهما الهدف ؟ الحبكة أم الحقيقة ؟ .. الشىء الذى قد يدفعنا – لو أردنا التعمق – إلى مساءلة ما نقبله الآن على أنه "التاريخ" ، ومساءلة شخوصه الذين بضفى عليهم بطولةً وعظمةً وأسطوريةً قد تفتقد إلى صدق المنشأ . وهذا قريب من الإشكالية التى تواجهنا عند مقاربة السير الذاتية لبعض المبدعين حال مقارنتها بما خلفوه من أعمال عظيمة . وببساطة ، فإن محور الفيلم – كما يقرر أحد النقاد – هو أن فى التاريخ من الأسطورة ما لا يقل عما فيه من الحقيقة .

سؤال معاكس : لو كنتَ ذلك الصحفى الذى استمع إلى القصة ، هل كنتَ لتهدم الأسطورة وتدمر سمعة السيناتور رغم علمك بمكانته وأهميته ؟ هل كنتَ لتزعج Doniphon فى رقدته بإفشاء ما عاش عمره قانعا بإبقائه طى الكتمان ؟ ولـو فعلـت ، هـل كنـتَ لتعتبـر مـوقفـك أخـلاقيـا ؟!



تروح السنوات ، ويأتى القطار إلى البلدة ومعه التغيير . يختفى Valance ثم Doniphon بأسلحتهما ، ويستحيل الماضى تاريخا ، أو – بالأحرى – أسطورة ، فيحل السياسى – الفائز بالشهرة والفتاة – محل رعاة البقر وحاملى البنادق ، لتقول فى نفسك : لعل فى هذه النهاية ما يمثل انتصارا – حقيقيا – لـ Ransom الذى بشّر بين يدى زمن آت ، فى مقابل Valance – وفى مقابل Doniphon نفسه – بزمنهما الآفل .. وطرقهما القديمة .

حبيبتى ، تغير الزمان .


1 Comments:

At December 29, 2011 3:19 PM , Anonymous abhasoft said...

مشكووور

 

Post a Comment

Subscribe to Post Comments [Atom]

<< Home