Monday, November 15, 2010

رغبةً فى التحقق

يبدو أننا سنعاود زيارة الإيرانيين أكثر من مرة .

عباس كيارستمى واحد من أبرز الأسماء فى مجال صناعة السينما الإيرانية . أفلامه تدل على جسـارة فنيـة وخـط إخراجى متميـز . يفجؤك – مثلا – فيلمه Shirin الذى يروى القصة الفارسية "شيرين وخسرو" . تستمع فقط إلى الأحداث ، لكنك – أبدا – لا تشاهد ما يدور على الشاشة الكبيرة ، فكيارستمى – وعلى مدى ما يقرب من خمس وتسعين دقيقة – لا يتيح لنا أكثر من متابعة مشاهدى القصة داخل دار عرض . مائة وأربع عشرة ممثلة إيرانية شهيرة ( ومعهن الفرنسية Juliette Binoche ) يشاهدن فى صمت ، ونحن – عن كثب – نتابع فى وجوههن ردود الفعل .



وفى 1990 يدهشنا كيارستمى بفيلمه الجميل Close-Up .

الفيلم روائى ذو مسحة وثائقية ، ينبنى على القصة الحقيقية لرجل من غمار الموالى ، اسمه حسين سابزيان ، يتعرف إلى عائلة ثرية ويوهمها أنه المخرج الإيرانى الشهير محسن مخملباف .


هل كان مخملباف ليرتدى جوربا مثقوبا يا سابزيان ؟


يستعين كيارستمى بأبطال الواقعة الحقيقيين لإنجاز فيلمه ، فنرى سابزيان والعائلة ومحسن مخملباف وكيارستمى - الذى شغفته الحكايةُ - نفسَه .. نراهم بينما يعيدون ( ارتكاب ) القصة كما وقعت ، وفى الأثناء تتحرك الكاميرا بحرية داخل الزمان فنتابع المَشاهد فى غير ترتيبها الفعلى ، حتى نستمع – قرب النهاية – إلى المحاكمة الفعلية لسابزيان الذى قاضته العائلة .

الفيلم موجع يا رفاق . حين تملؤك الإحباطات ولا تعرف سوى الخيبة تلو الخيبة .. وحين ترى أعظَم أحلامك ينكسر ويتكسر .. حين لا تملك حيلةً لدفع ما تأتى به الأيام ( وما تأتى به ليس بالقليل ) .. وحين تكون مُطلّقا وعاطلا وواقعك دون طموحِك ودون ما ترسّمتَه لنفسك .. حين تشعر أنك صفرٌ كبير ، رغم أن الفارق الأوحدَ بينك وبين مخملباف أنك لستَ مخملباف .. حينها قد تجد نفسك مدفوعا إلى انتحال ذى حيثيةٍ تعيشُه كحلمِ يقظةٍ تهرب فيه من نصالِ الواقع .

وهذا تماما ما كانه سابزيان . وهذا – فيما أحسب – ما دفع بكيارستمى إلى التقاط الحادثة .

تنمو شكوك أفراد العائلة فيستعين الأب بصحفى يعرف كيف يبدو محسن مخملباف . وبينما ينتحى الصحفى جانبا بأفراد العائلة ليؤكد صحةَ الشكوك ، نرى سابزيان قلقا وقد شعر بقرب انتهاء الفيلم الذى نسج حبكتَه وأداه وأخرجه فى خـداعِ تلك العائلة التى ظنتْـه محتـالا ولصـا . ثم تَثْبتُ الكاميرا فى لقطةٍ مؤسيةٍ نلمح معها جوربَه المثقوب .

كل ذلك قابِلٌ للتصديق ، لكنك قد تتشكك – وسأدعم حقك فى ذلك – فى صدق سابزيان بعد انكشافه ، إذ ربمـا لم تنتـهِ مسـرحيتـُه الكبيـرةُ بعـد ، وإن انتحتْ منحىً آخر . لكن ذلك لا ينفى ما قررناه من رغبته فى التحقق وصيرورته - وهو الصفرُ الكبيرُ - واحدًا من الآحاد ، ليكون الاختلاف الوحيد فى انتقال الباعثِ من وعى سابزيان إلى لا وعيه . فهو نفسه يؤكد عجزه فى بعض الأحيان عن التوقف عن تمثيل الدور ، وتصديقَه فى أحيان أخرى لكذبته المختلقة .

يقول سابزيان : فى اليوم الذى التقيتُ فيه السيدةَ آهنخاه كنتُ مفلسا تقريبا .. وكنتُ قد غادرتُ المنزلَ دون تناول الغداء .. وحين اصطحبتْنى السيدةُ آهنخاه على أننى السيد مخملباف .. فكرتُ أنه ربما يمكننى الذهاب لتناول الغداء فى منزلها .. فعلتُ ذلك ، فقط لأتمكن من تناولِ وجبة .

تدور عدسة كيارستمى وتقترب فى Close-Up كاشفٍ من إنسانٍ محبَط . لا يُبَشِّر المخرج الإيرانى ولا يعظ ، لا يفعل سوى تقديم قطعة من السينما فى أوج تألقها ، تاركًا لنا – المتفرجين/المحلّفين – إصدارَ الحكم الذى لا نملك بعد مشاهدةِ الأحداثِ إلا تعميدَه بماء التعاطفِ والشفقةِ تجاهَ الإنسانية .



وفى المشهد الأخير نرى محسن مخملباف على دراجته البخارية ومن خلفه حسين سابزيان فى واحدٍ من أكثر مشاهد السينما سينمائية . لتضمه إلى قائمة ما تعتقدُه لحظاتٍ خالدةً فى تاريخ الصورةِ المتحركة ، تماما كمونتاج مشاهد القبلات فى Cinema Paradiso و البروفايل الجانبى لوجه Irène Jacob على خلفيةٍ حمراء فى نهاية Red .. وغيرهما الكثير .


3 Comments:

At December 17, 2010 10:55 AM , Blogger un-speackable love 2 said...

nice blog , i'm new at blogging and liked your blog hope you'll also like mine please visit it , all the best wishes .
http://unspeackablelove2.blogspot.com/

 
At May 20, 2011 4:52 AM , Anonymous Anonymous said...

كل/كولي زق

 
At June 16, 2011 4:11 PM , Anonymous ابراهيم خليل said...

للمكان روعة وللزمان روعة وكلاهما يبث فى النفس الذكريات ويخرجها من الصمت والثبات وما بمدونتك بالذات فيض من الفنون وروعة فى الأسلوب والكلمات والبحث عن الأفضل بكل اللغات .. تحياتى لك (ابراهيم خليل--مدونة الشاعر المصرى ابراهيم خليل---ورئيس تحرير جريدة التل الكبير كوم).

 

Post a Comment

Subscribe to Post Comments [Atom]

<< Home