The Road
عن سمكة سانتياجو التى أكلتها القروش
بعد أربعة وثمانين يوما لا يحوز فيها عجوز هيمنجواى أية سمكة، يفلح فى اصطياد واحدة من نوع المرلين، لكنه بوصوله إلى الشاطىء لا يبقى من سمكته غير هيكلها العظمى بعد أن مزقتها القروش. يلف سانتياجو الشراع حول الصارى ويحملهما كالصليب على كتفيه صاعدا نحو كوخه. ينام ووجهه إلى أسفل مادًّا ذراعيه على استقامتهما، جاعلا الراحتين إلى أعلى .. فى تناص واضح مع السيرة المسيحية لصلب المسيح .. وإشارة واضحة إلى سيرتنا فى الحياة.
وإلـى نفـس هـذه السيـرة – سيـرتـنـا فـى الحيـاة – يشيـر هـذا الفيلـم الـذى حسـبـه البـعـض واحـدا مـن جـمـلـة أفـلام تتـنـاول نهــايــة العـالـم (Post-Apocalyptic)، رغم أن ما يجعل منه عملا متميزا هو جعلُ محورِهِ العالمَ نفسه وليس نهايته.
إن واحدة من جماليات الفن إنما ترجع إلى قدرته على تجسيد ما يداعب مخيلتنا من تصورات، فبقصيدة شعر أو بفيلم سينمائى يمكنك أن تجسد تصورك عما يعربد فى العالم من آلام، وبنفس الوسائط يمكنك أيضا أن تجسد تصورك عنه كفردوس أرضىّ. الأمر كله محكوم برؤيتك وبما تؤمن به: هل تؤمن أننا فى الجنة؟ هل تؤمن أننا فى الجحيم؟ أم أن تصورك للأمر مغاير تماما؟
أما The Road فيؤمن أننا فى مأزق حقيقى وكَبَدٍ نعانيه من المهد إلى اللحد .. منذ أن تبصقنا أرحام أمهاتنا على ظهر هذا الكوكب الموحش، إلى أن يتلقفنا الموت بين ذراعيه معلنا انتهاء الرحلة والطريق.
لا كثير من الأحداث ولا كثير من الشخوص، فالكاميرا لا تتابع سوى رجل أخذ على عاتقه حماية ولده الصغير وصولا إلى ما يظنانه بر الأمان، وهذا الولد الصغير نفسه. قد يلتقيان فى رحلتهما ببعض الأشخاص فيثير فينا الاحتكاك الآدمى بعض المشاعر المتناقضة، وقد نرى بعض التذكرات كفلاش باك، لكن الكاميرا لا تتابع – بالأساس – سوى رجل أخذ على عاتقه حماية ولده الصغير وصولا إلى ما يظنانه بر الأمان، وهذا الولد الصغير نفسه.
نرى الأرض - بلا أسباب وبلا مقدمات يعطيها لنا العمل - وقد صارت موحشة وكئيبة وخربة. لا شمس ولا بشر إلا شرذمة قليلة تحول أغلبها إلى برابرة أو آكلى لحوم بشر. تدور التذكرات حول الزوجة التى قررت الانتحار بعد الوضع إيمانا منها بعدم قدرتها على الاستمرار فى حياة كتلك، لتعطينا هذه المشاهد صورة عن الماضى القريب قبل أن يصيب الأرض كل هذا العطب والدمار.
يحمل الرجل وابنه - رفيق الرحلة - مسدسا وطلقتين تحسبا للأخطار، ليس فقط لاحتمالية استخدام الطلقتين ضد من يحاول إصابة أيهما بأذى، بل لاستخدامهما انتحارا – بالأساس – حال اضطرارهما لذلك أو حال ضعف قدرتهما على الاستمرار فى هذا العناء.
لكن ما يقترحه الفيلم – كما أشرت قبلا - لا علاقة له بنهاية العالم. إن محوره هو العالم نفسه كما يراه صانعوا العمل. والأرض – فى وحشتها وجدبها وكآبتها – إنما هى الأرض كما نحيا عليها الآن، والرحلة هى رحلة كل واحد من بنى البشر بما يلاقيه فيها من عوائق وصعوبات.
نحن سلالة آدم الهابط من الجنة إلى هذا الكدح اليومى. نحن سلالته الذين عليهم أن يشقوا طريقهم الوعر بالكد والاحتراس .. بل وبالسرقة والقتل لو تطلبت الأمور. نحن سلالته الذين يعتنى السلف فيهم بالخلف حتى يشتد العود ويخبروا الحياة فيكملوا الطريق الذى بدأه الآباء. نحن سلالته نلتقى بآخرين من سلالته فتكون لحظات من دفء أو لحظات من صدام .. ما دام الأمر يتعلق بالبقاء.
يموت الأب – أثناء الرحلة – فيكون على الصغير استئناف الطريق، تماما كما يموت عنا الآباء تاركينا وحدنا فى استكمال العناء، إيذانا بموتنا الذى يعقبه جيل آخر يموت بدوره ليفسح المجال. يلتقى الصغير برجل يدعوه إلى صحبته وعائلته فيكون عليه أخذ المغامرة دون أن يعرف فى بادىء الأمر إلى أى الفريقين ينتمى الرجل: الأخيار .. أم الأشرار! ونحن سلالة آدم الهابط من الجنة إلى هذا الكدح اليومى نلتقى الناس دون أن نعرف فى بادىء الأمر إلى أى الفريقين ينتمون، فننأى عنهم ونحترس منهم – كالأب – دون أن نظهر كثيرا من التعاطف ما دمنا نلاقى نفس العناء، أو نقبل عليهم – كالابن – الذى لما تصقله الحياة بعد فنراه يجنح – أكثر من أبيه – إلى الإيثار.
ويظل السؤال: هل يقدم صانعوا العمل أثرة الأب فى مقابل إيثار الابن كوجهتى نظر فى التعامل مع الحياة؟ أم يرجع إيثار الولد فى نهاية الأمر إلى حداثة سنه وقلة خبرته بالحياة التى تحكمها غريزة البقاء؟
تعب كلها الحياة كما يقول حكيم المعرة، وفى مواجهة هذا التعب يقلع البعض فى أول الطريق أو منتصفه - كالأم، بينما يصر آخرون على الاستمرار والوصول إلى الجنوب/الغاية. وفى الطريق .. يتعلم الولد من الأب، ويتعلم الأب من الولد.
يبقى فقط أن نشير إلى الأداء التمثيلى العظيم لـ Viggo Mortensen، والسطور بالغة الشعرية التى يعلق بها من آن لآخر على الأحداث.



















































1 Comments:
الفيلم الحقيقة من افضل افلام 2009
يمكن بعد
up in the air
الفيلم بسيط بس في كم من المشاعر و الاحاسيس رهيبة
وكنت متصورة فيلم من الافلام اللي الابن هيتخطف و الاب ينقذه او العكس
بس الصراحة السيناريو خدعني و طلع اجمل
اعتقد المفروض يدخل اوسكار افضل سناريو مع
up in the air
Post a Comment
Subscribe to Post Comments [Atom]
<< Home