The Lives of Others

أن تقرأ التاريخ السياسي لأحداث وقعت قبل خمسين عاما أو يزيد علي خلفية من موسيقى حمقاء كما في لعبة الكراسي الموسيقية يجعلك تدرك أن لعبة الطفولة لم تكن ساذجة علي الإطلاق.
ينهزم هتلر .. يتغلب الحلفاء علي المحور .. ينقسم الطرف المهزوم على نفسه، و تنشطر ألمانيا لشطرين: شرقي و غربي.
ينقلب البعض على البعض، فتعادي روسيا الحلفاء .. يقدم المهزومون ألمانيا قربانا فتجتاح روسيا العاصمةَ الشرقيةَ برلين و تستولي أمريكا على العاصمة الغربية بون!
و يبقى الجدار الذي لم يفلح في صد الأعداء و لا تجنيب طرفٍ مصيرَ الآخر .. يتحول إلى خط فاصل بين حدود الدولتين الغازيتين.
في الجانب الشرقي تدور حكايتنا قبل انهيار الجدار تحت أقدام المحتجين علي الشيوعية و ضم القسمين مرة أخرى تحت اللواء الروسي قبيل انهياره هو الآخر!
أعط إنسانا - أي إنسان - سلطة الاطلاع على حيوات الآخرين، و طالبه بالتعقل. أعط مسئولا عسكريا - أي مسئول - سلطة التجسس على مواطنيه، و طالبه باحترام خصوصياتهم. أعط قطا كرةً من الخيط، و طالبه بالتعقل.
في عملية "لازلو"، أعطينا "ويسلر" - قام بدوره الممثل "أورليتش موه" - العميل في البوليس السري الألماني فرصة الاطلاع على حياة المؤلف المسرحي "جورج دريمان" - قام بدوره الممثل "سباستيان كوتش" - بتكليف من صديق ويسلر الذي يتجسس بدوره لصالح وزير الثقافة "همف".
تلتف الخيوط حول علاقتهما التي بدأت و انتهت دون أن يتبادلا كلمة، و دون أن يدرك دريمان وجود هذه العلاقة إلا بعد نهايتها.
عن الستار الحديدي أو الطوق السياسي و الثقافي و الإعلامي الذي فرضه الاتحاد السوفيتي - قبيل الانهيار - على شعوبه و شعوب الدول الخاضعة لنفوذه نتحدث .. عن أثر انكماش الحريات على المثقفين و الكُتاب و الفنانين نتحدث.
الشك يساور السلطات الثقافية و جهاز الأمن القومي حول سلوك الشاعر دريمان، خاصة مع موجة هروب المثقفين من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية طلبا للحرية، فيُكلف ويسلر بمتابعة دريمان و التصنت على حياته بحثا عن دليل إدانة يثبت شك السلطات و يعطيهم مبررًا لقمعه و التخلص منه.
يتحدث علماء النفس و الجريمة عن علاقة أقرب إلى التعاطف تربط المخطوف بالخاطف و نتحدث نحن عن علاقة أقرب للوله بين المترصد لحياة أبرياء و ضحاياه.
يطلب غروبتز من صديقه ويسلر تولي مهنة التجسس و المراقبة، فيوافق الأخير و يتولى عملية لازلو المتمثلة في مراقبة كل محادثات دريمان و تحركاته في شقته، حتى يصل به الأمر إلى مراقبة أدق التفاصيل التي تربطه بحبيبته كريستا ماريا (الممثلة المشهورة) التي ظهرت على خشبة المسرح آنذاك.
أن تكون جزءًا من حياة شخص..
يمكن لحيوات الآخرين تغيير حياتنا و قناعاتنا إلى الأبد.
يبدأ المخبر ويسلر بالانغماس حد الوله في تفاصيل حياة دريمان العاطفية و الثقافية و موقفه السياسي. تتشابك معطيات الفيلم بين ضغط وكالة الأمن القومي على ويسلر ليعجل باكتشاف الأدلة، و بين ما يعانيه لموقفه الشخصي و انحيازه التام للشاعر، بعد أن أصبح جزءًا من حياته اليومية بكل تفاصيلها، فمن الصعب - حتى على المتخصصين في تحييد مشاعرهم تجاه أشخاص كشفوا لهم عن لحظات ضعفهم و قوتهم .. عشقهم و مبادئهم - من الصعب تحييد المشاعر، حتى و إن كان جزءًا مما تتطلبه الوظيفة.
ماذا لو مارست دور بيلاطس بدلا من دور يهوذا. و ماذا لو قررت العفو.
نقطة التصعيد في الفيلم، تأتي بعد كتابة دريمان لمقال نُشر دون توقيع كاتبه في مجلة "المرآة" - التي تصدر من ألمانيا الغربية - تحدث فيه عن انتحار الفنانين و المثقفين في ألمانيا الشرقية و عدم وجود إحصائيات لحالات الانتحار منذ سنوات .. إلى الملابسات التي واكبت كتابة و نشر المقال - بسبب الظروف الأمنية المعقدة - من كتابته على آلة كاتبة مهربة - حتى لا تتعرف وكالة الأمن القومي نوعها فتصل إلى هوية الكاتب - و مقابلة مراسل المجلة في ظروف استثنائية، و تهريب المقال بشكل سري و معقد.
و مع اقتراب نقطة الصفر في القبض على دريمان، يقوم ويسلر بتزوير اليوميات التي يرفعها لوكالة الأمن القومي حماية لدريمان! فيتحدث عن مسرحية يود الشاعر تأليفها بمناسبة أحد الأعياد السياسية بدلاً من المقال المنشور في مجلة المرآة، بل و يضحي بوجوده بالوكالة و قوميته و عمله و إيمانه، لمساعدة الشاعر .. خاصة بعد أن تم ابتزاز كريستا حبيبة دريمان - تقوم بدورها الممثلة "مارتينا غيديك" - و مساومتها على وجودها و حضورها كفنانة في مقابل إفشاء سر دريمان.
في النهاية - و بعد انهيار جدار برلين، و تغير الحياة تماماً - بدأ الناس في البحث عن تفاصيل حياتهم السالفة، و حياة الآخرين من حولهم، ليكتشف دريمان - من خلال الوثائق السرية التي أتاحتها حكومة ألمانيا الاتحادية عن الحقبة الاشتراكية - الكثيرَ عن حياته الخاصة، و علاقته مع المخبر ويسلر الذي لم يقابله في حياته، و حبيبته كريستا، و كل التغيرات التي حدثت من حوله، دون أن يدرك - ربما - سبباً لها في ذلك الوقت.
الخير المنتصر ليس بالأمر الوردي، فلابد من بعض التضحيات .. و السقطات كذلك.
ينتصر الفيلم لدريمان في صورة الخير و الحرية المطلقين، بينما يتساقط ضحايا الحرية من حوله، إذ ينهي ألبرت جيراسكا - الكاتب الثوري - حياته إيمانا منه أن الكتابة متنفس لحرية المرء، و عندما تُغتال هذه الحرية، فسوف يتوقف هواؤه الذي يستنشقه، مما يعني أن نفسه عفتْ هذه الحياة، ففضل أن ينهيها.
و تضحي كريستا ماريا بجسدها لوزير الثقافة حتى لا يحرمها مهنتها، و حتى لا يقيم الحظر على حبيبها، في مشهد أفلحت في إكسابه أكبر قدر من التوتر و التقزز.
أما حين نحصي خسائر ويسلر فلا نجد سوى التضحية بمركزه فقط، لأنه تعارضَ و ما آمن به من مباديء أدركها بتأثره بما كتبه دريمان في قصائده، و بما عزفه من لحن أليم عند موت ألبرت، و أخيرا - و الأهم - عند سماعه لأحد الحوارات المؤثرة بين دريمان و كريستا، في مشهدِ ذروةٍ هادئة للفيلم. |شاهد|
و بما أننا نتحدث عن المشاهد المحورية في الفيلم، فلا يمكننا تخطي المشهد التالي .. مشهد المصعد .. و تحولُ ويسلر يتخذ صورة عملية:
Elevator Scene
جميلة هي السينما حين تخبرك بأن الأمر ليس بهذا السوء، و أن هناك دوما بعض الأمل في انتصار الخير .. في تحول بعض الشخوص من الجانب الأسود للجانب الأبيض .. في الحرية.






















































